السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٦٩
السرايا بين خيبر وعمرة القضاء
أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد خيبر يبعث السرايا: سرية أبي بكر إلى بني فزارة، وسرية عمر نحو هوازن، وسرية بشير بن سعد إلى بني مرة بفدك، وسرية إلى الحُرقة فيها أسامة بن زيد، وسرية غالب بن عبد الله إلى بني الملوح.
يذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ أقام في المدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال، وبعث في خلال ذلك السرايا. ويذكر ابن إسحاق أنه أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبًا وشعبان ورمضان وشوالًا يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه. فمنها سرية أبي بكر الصديق إلى نجد قِبَل بني فزارة ومعه سلمة بن الأكوع، ووقعت في سهم سلمة جارية فاستوهبها منه رسول الله ﷺ، وفادى بها أسرى من المسلمين كانوا بمكة. ومنها سرية عمر بن الخطاب في ثلاثين راكبًا نحو هوازن، فهربوا ولم يلق منهم أحدًا، فقال له الدليل: هل لك في جمع من خثعم قد أجدبت بلادهم؟ فقال عمر:
«لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمْ»
ولم يعرض لهم. ومنها سرية عبد الله بن رواحة إلى يُسير بن رزام اليهودي، إذ بلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم. ومنها سرية بشير بن سعد الأنصاري في ثلاثين رجلًا إلى بني مرة بفدك، فقاتل قتالًا شديدًا، وتحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام بها حتى برئت جراحه ثم رجع إلى المدينة. ثم بعث سرية إلى الحُرقة من جهينة وفيهم أسامة بن زيد، فأوصاهم الأمير بتقوى الله وطاعته، وفيها لحق أسامة رجلًا فلما دنا منه قال: لا إله إلا الله، فقتله، فلما أُخبر رسول الله ﷺ كبُر ذلك عليه، وقال:
«أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا، قَالَ: فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»
فما زال يكرر عليه: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة، حتى تمنى أسامة أن يكون أسلم يومئذ، وقال: يا رسول الله، أعطي الله عهدًا ألا أقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله. وبعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد، ويذكر ابن إسحاق عن جندب بن مكيث الجهني أنهم لقوا بقُديد الحارث بن مالك بن البرصاء، فقال: إنما جئت أريد الإسلام، فقالوا له:
«إنْ تَكُ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضِيرُكَ رِبَاطُ لَيْلَةٍ»
ثم أغاروا على القوم واستاقوا النعم، فجاءهم جمع كثير لا قِبَل لهم به، فلم يكن بينهم إلا وادي قُديد، فيقول جندب:
«فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْوَادِيَ بِالسَّيْلِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ»
من غير سحابة يرونها ولا مطر، فوقف القوم ينظرون إليهم لا يستطيع منهم رجل أن يجوز إليهم، حتى قدموا بها على رسول الله ﷺ، وكان شعارهم تلك الليلة: أمت أمت.
- قال عمر: لم يأمرني رسول الله ﷺ بهم، ولم يعرض لقوم أجدبت بلادهم؛ فالجندي الأمين يلتزم حدود ما أُمر به ولا يتجاوزها.
- قال ﷺ لأسامة: فهلّا شققت عن قلبه؛ فنحن نحكم على الناس بظاهرهم، ونكل سرائرهم إلى الله.
- فادى ﷺ بالجارية أسرى من المسلمين بمكة؛ فتخليص المسلم من الأسر والضيق مقدَّم على المغنم.
إذا سمعت اليوم كلامًا عن نية أحد أو ما في قلبه، فلا تحكم عليه، وتذكّر قول النبي ﷺ: فهلّا شققت عن قلبه.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.