السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٤٢
الإذن بالقتال ثم فرضه
أُمر المسلمون في مكة بالصبر والصفح، ثم أذن الله لهم في القتال لأنهم ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم، ثم فُرض عليهم بعد ذلك على مراحل.
يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لم يكن قد أُذن له في الحرب قبل بيعة العقبة، ولم تُحلّ له الدماء:
«إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالصُّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ»
وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم؛ فمنهم المفتون في دينه، ومنهم المعذَّب، ومنهم الهارب إلى الحبشة أو المدينة. فلما عتت قريش وكذّبوا نبيه ﷺ، أذن الله له في القتال والانتصار ممن ظلمهم، وكانت أول آية نزلت في ذلك، فيما بلغ ابن إسحاق عن عروة بن الزبير وغيره: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. وفسّرها ابن إسحاق بأن الله أحلّ لهم القتال لأنهم ظُلموا، ولم يكن لهم ذنب إلا أن يعبدوا الله.
وأما ابن القيم فيذكر أن ذلك كان بعد أن استقر رسول الله ﷺ بالمدينة، وأيّده الله بالأنصار، ورمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، والله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة:
«فَأُذِنَ لَهُمْ حِينَئِذٍ فِي الْقِتَالِ، وَلَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ»
وذكر ابن القيم أن طائفة قالت إن هذا الإذن كان بمكة، وغلّط هذا القول لوجوه، منها أنه لم يكن لهم بمكة شوكة يتمكنون بها من القتال، وأن سياق الآية يدل على أن الإذن بعد الهجرة وإخراجهم من ديارهم. ثم ذكر أن القتال فُرض عليهم بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ولخّص المراحل بقوله:
«وَكَانَ مُحَرَّمًا، ثُمَّ مَأْذُونًا بِهِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِمَنْ بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ مَأْمُورًا بِهِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ»
ويقرر ابن القيم أن جنس الجهاد فرض عين على كل مسلم بنوع من أنواعه: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد.
- صبر المسلمون في مكة سنين على الأذى، ولم يؤذن لهم في القتال إلا بعد أن ظُلموا وأُخرجوا من ديارهم؛ فالإسلام لم يبدأ أحدًا بعدوان.
- جاءت الأحكام متدرجة بحسب حال المسلمين وقوتهم؛ فالتدرج من حكمة التشريع.
- يذكر ابن القيم أن الجهاد يكون بالقلب واللسان والمال واليد؛ فلكل مسلم نصيب من نصرة الحق بما يقدر عليه.
إذا أساء إليك أحد اليوم بكلمة، فاصبر واصفح ولا تردّ عليه بمثلها، واكتفِ بالسكوت أو بالكلمة الطيبة.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.