السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٣٧
بناء المسجد النبوي
اشترى رسول الله ﷺ موضع ناقته من غلامين يتيمين، فبنى مسجده باللبن والجذوع والجريد، وعمل فيه بيده مع أصحابه، وأقام عند أبي أيوب حتى فرغ من المسجد ومساكنه.
بركت ناقة رسول الله ﷺ في مِربَد، وهو الموضع الذي يُجفَّف فيه التمر، لغلامين يتيمين من بني النجار هما سهل وسهيل. ويذكر ابن هشام أنهما كانا في حِجر معاذ بن عفراء، فقال: سأرضيهما منه فاتخذه مسجدًا. ويذكر ابن القيم عن الزهري أنهما كانا في حِجر أسعد بن زرارة، وأن رسول الله ﷺ ساوم الغلامين بالمربد:
«فَقَالَا: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ»
ويذكر ابن القيم أنه كان فيه شجر غَرْقَد ونخل وخِرَب وقبور للمشركين، فأمر بالقبور فنُبشت، وبالخِرَب فسُوّيت، وبالنخل فقُطع وصُفّ في قبلة المسجد. ثم بنوه باللبن، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، وعُمُده الجذوع وسقفه الجريد، وقيل له: ألا تسقّفه؟ فقال: «لا عريش كعريش موسى». وعمل فيه رسول الله ﷺ بنفسه ليرغّب المسلمين في العمل، فعمل المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه، حتى قال قائل منهم:
«لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُ»
وكان المسلمون يرتجزون وهم يبنونه، ويذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ كان يقول:
«لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشَ الْآخِرَةِ، اللَّهمّ ارْحَمْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ»
وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب حتى بُني مسجده ومساكنه. ويروي أبو أيوب أنه ﷺ نزل في أسفل البيت، وكان هو وأم أيوب في العلو، فاستحيا أن يكون فوقه وسأله أن يتحول إلى العلو، فقال ﷺ:
«يَا أَبَا أَيُّوبَ، إنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا، أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ»
قال أبو أيوب: فانكسر لنا إناء فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها، ننشّف بها الماء خوفًا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه. ويذكر ابن القيم أنه ﷺ بعث وهو في منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة، فقدما عليه بابنتيه فاطمة وأم كلثوم وزوجه سودة بنت زمعة، وبنى إلى جنب المسجد بيوت أزواجه.
- أبى ﷺ أن يأخذ أرض اليتيمين هبةً، واشتراها بثمنها؛ فحق اليتيم محفوظ ولو عرضه صاحبه طيبةً به نفسه.
- حمل ﷺ اللبن مع أصحابه، فنشطوا للعمل؛ والقدوة بالفعل أبلغ من الأمر بالقول.
- اختار ﷺ أسفل البيت رفقًا بمن يزوره، ونشّف أبو أيوب الماء بلحافه الوحيد؛ أدب من الضيف ووفاء من المضيف.
شارك اليوم بيدك في عمل جماعي في بيتك أو مسجدك أو مدرستك، ولو بترتيب مكان أو تنظيفه.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.