السيرة كاملة › الهجرة
الفصل ٣٦
الوصول إلى قباء والمدينة
كان الأنصار يخرجون كل صباح ينتظرون رسول الله ﷺ، حتى قدم قباء فنزل في بني عمرو بن عوف وأسس مسجدها، ثم سار إلى المدينة وناقته مأمورة حتى بركت في بني النجار.
يذكر ابن إسحاق عن رجال من الأنصار أنهم لما سمعوا بخروج رسول الله ﷺ من مكة، كانوا يخرجون إذا صلّوا الصبح إلى ظاهر حَرّتهم ينتظرونه، فلا يبرحون حتى تغلبهم الشمس على الظلال، فيدخلون بيوتهم. فلما كان اليوم الذي قدم فيه، رجعوا كعادتهم، فكان أول من رآه رجل من اليهود، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدّكم قد جاء. فخرجوا إليه وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر، وأكثرهم لم يكن رآه قبل ذلك، قالوا:
«فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَظَلَّهُ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفْنَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ»
ويذكر ابن هشام أنه قدم قباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، حين اشتد الضحاء، وكذلك ذكره ابن القيم وقال: على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة، وفي المسألة خلاف ذكره المحقّق في الحاشية. ونزل ﷺ على كلثوم بن الهِدْم، وقيل: على سعد بن خيثمة، وقال ابن القيم: والأول أثبت. ولحق به علي بن أبي طالب بعد أن أقام بمكة ثلاث ليال حتى أدّى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس.
وأسس ﷺ مسجد قباء، وهو كما يقول ابن القيم أول مسجد أُسس بعد النبوة. وأما مدة إقامته بقباء فذكر ابن إسحاق أنها من الاثنين إلى الخميس، وأن بني عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك، وذكر ابن القيم أنه أقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. وجعلت قبائل الأنصار تعترض ناقته تدعوه إلى العدد والعُدّة والمنعة، فيقول:
«خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»
فسارت حتى بركت في موضع مسجده اليوم، ثم قامت وسارت قليلًا، ثم رجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك في بني النجار أخواله ﷺ، ويقول ابن القيم إن ذلك من توفيق الله لها، فقد أحبّ أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك. وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته، فقال ﷺ: «المرء مع رحله». وروى ابن القيم عن أنس فرحة ذلك اليوم:
«شَهِدْتُهُ يَوْمَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَيْنَا»
- انتظر الأنصار رسول الله ﷺ أيامًا في الحر قبل أن يروه؛ فالمحبة الصادقة تظهر في الشوق والاستعداد.
- لم يترك علي بن أبي طالب مكة حتى ردّ الودائع إلى أصحابها؛ فالأمانة تؤدّى حتى لمن عادى.
- ترك ﷺ الناقة تمضي حيث أُمرت، فلم يفضّل قبيلة على قبيلة، فطابت بذلك نفوس الجميع.
استقبل اليوم قادمًا جديدًا في مدرستك أو عملك أو حيّك بكلمة ترحيب صادقة، وعرّفه بما يحتاج إليه.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.