السيرة كاملة › الهجرة
الفصل ٣٥
في الطريق: خيمتا أم معبد الخزاعية
مرّ النبي ﷺ وصاحباه في طريق الهجرة بخيمتي أم معبد الخزاعية، ولم يكن عندها طعام، فمسح ﷺ ضرع شاة هزيلة ودعا فدرّت، فسقاها وسقى أصحابه، ووصفته لزوجها وصفًا مشهورًا.
يذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ مرّ في مسيره حتى مرّ بخيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة تُطعم وتسقي من مرّ بها، فسألاها: هل عندها شيء؟ فقالت:
«وَاللَّهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى، وَالشَّاءُ عَازِبٌ»
وكانت سنة شهباء، شديدة الجدب. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في جانب الخيمة، فسألها عنها، فقالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، وهي أجهد من أن يكون بها لبن. فقال ﷺ:
«أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا»
فمسح ﷺ بيده ضرعها، وسمّى الله ودعا، فدرّت، فحلب في إناء لها، فسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، ثم حلب فيه ثانيًا حتى ملأه وتركه عندها وارتحلوا. فجاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا هزيلة، فعجب من اللبن، فقالت: مرّ بنا رجل مبارك، فقال: صفيه لي يا أم معبد، فوصفته، وكان مما قالت في وصف خُلُقه وهيبته:
«إِذَا صَمَتَ عَلَاهُ الْوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ عَلَاهُ الْبَهَاءُ»
وذكرت أن له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره. فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا. ويذكر ابن هشام عن أسماء بنت أبي بكر أنهم مكثوا ثلاث ليال لا يدرون أين وجه رسول الله ﷺ، حتى سمع الناس بمكة صوتًا ولا يرون قائله، يقول:
«جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ»
وفي رواية ابن القيم لهذا البيت: «رب العرش» بدل «رب الناس». ويذكر ابن هشام أن أم معبد هي بنت كعب، امرأة من بني كعب من خزاعة.
- استأذن ﷺ أم معبد قبل أن يحلب شاتها، وهو في سفر شاق وحاجة؛ فالأدب مع أصحاب الحقوق لا يسقط بالحاجة.
- البركة من الله: شاة هزيلة لا لبن فيها سقت الجميع ثم بقي منها إناء ممتلئ.
- عرف الناس خُلُقه ﷺ من مجلس قصير: الوقار في صمته، والبهاء في كلامه.
استأذن اليوم قبل أن تستعمل شيئًا ليس لك، ولو كان صغيرًا كقلم زميل أو هاتف أخ.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.