سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › الهجرة

الفصل ٣٤

هجرة الرسول ﷺ وصاحبه والغار

📍 غار ثور بأسفل مكة، ثم الطريق إلى المدينة

أذن الله لنبيه ﷺ بالهجرة، فصحبه أبو بكر، فمكثا في غار ثور ثلاثًا وقريش تطلبهما، ثم خرجا مع دليلهما، وأدركهما سراقة بن مالك فرجع حارسًا لهما.

كان أبو بكر يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة كثيرًا، فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا، فابتاع راحلتين وحبسهما في داره يعلفهما إعدادًا لذلك. وتروي عائشة أن رسول الله ﷺ أتاهم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فقال: إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله، قال: الصحبة. قالت:

«مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ»

واستأجرا عبد الله بن أرقط، رجلًا من بني الدُّئِل وكان مشركًا، يدلّهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما. ثم خرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، فعمدا إلى غار بثور، جبل بأسفل مكة، فدخلاه. وكان عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره يسمع ما يأتمرون به ثم يأتيهما بالخبر إذا أمسى، وكان عامر بن فهيرة يرعى غنم أبي بكر ثم يريحها عليهما، ويتبع أثر عبد الله بالغنم حتى يعفّي عليه، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام، وشقّت نطاقها لتعلّق به السفرة فسُمّيت ذات النطاقين. وجعلت قريش مائة ناقة لمن يردّه عليهم.

ويذكر ابن القيم أن قريشًا جدّت في طلبهما حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه، وأن في الصحيحين أن أبا بكر قال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فقال:

«يَا أبا بكر مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا، لَا تَحْزَنْ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»

فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس، أتاهما دليلهما بالراحلتين، فقدّم أبو بكر لرسول الله ﷺ أفضلهما وقال: اركب فداك أبي وأمي، فقال ﷺ:

«إنِّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي»

فأخذها ﷺ بالثمن الذي ابتاعها به أبو بكر، ثم ركبا وانطلقا وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة خلفه يخدمهما في الطريق. ويذكر ابن القيم أن قريشًا جعلت لمن جاء بهما دية كل واحد منهما، وأن سراقة بن مالك أدركهما طمعًا في الجائزة، فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض، فطلب منهما أن يدعوا له على أن يردّ الناس عنهما، فدعا له ﷺ، وكتب له أبو بكر بأمره كتابًا، فجاء به يوم فتح مكة فوفّى له رسول الله ﷺ وقال: يوم وفاء وبرّ. ورجع سراقة يقول لمن يطلبهما: قد كُفيتم ما هاهنا، قال ابن القيم:

«وَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَيْهِمَا، وَآخِرَهُ حَارِسًا لَهُمَا»

دروس وعِبر
  • أخذ ﷺ بكل الأسباب: الصاحب، والدليل الخبير، والغار، ومن ينقل الأخبار ومن يعفّي الأثر، ثم كان قلبه معلّقًا بالله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما».
  • أسرة أبي بكر كلها خدمت الهجرة: الأب صاحبًا، والابن ناقلًا للأخبار، والبنت حاملة للطعام، والمولى راعيًا.
  • رفض ﷺ أن يركب بعيرًا ليس له إلا بثمنه، فالعفّة عن مال الناس حتى من أقرب الأصحاب.
🎯 تحدّي اليوم

قبل أن تبدأ عملًا مهمًا اليوم، خطّط له بخطوات واضحة، ثم توكّل على الله وقل: حسبي الله.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.
القيم في هذا الفصل: التوكل على اللهالوفاءالحكمة

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.