سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › الهجرة

الفصل ٣٣

ائتمار قريش بقتله ﷺ في دار الندوة

📍 دار الندوة بمكة

لما رأت قريش خروج الصحابة إلى المدينة اجتمعت في دار الندوة، فاتفقوا على رأي أبي جهل أن يقتلوه ﷺ بأيدي فتيان من كل القبائل، فأخبره جبريل، فخرج من بينهم وترك عليًّا على فراشه.

يذكر ابن إسحاق أن قريشًا لما رأت أن لرسول الله ﷺ أصحابًا من غير بلدهم، ورأت خروج المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم نزلوا دار منعة، فحذروا خروجه إليهم، فاجتمعوا في دار الندوة، وهي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها. ويروي ابن إسحاق عن ابن عباس أن إبليس اعترضهم في هيئة شيخ من أهل نجد، وكذلك ذكره ابن القيم.

فتشاوروا: فقال قائل: احبسوه في الحديد، فرُدّ رأيه، وقال آخر: ننفيه من بلادنا، فرُدّ رأيه أيضًا. ثم قال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة فتى شابًّا جلدًا، ونعطي كل فتى سيفًا، فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا. فتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال:

«لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ»

فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فقال ﷺ لعلي بن أبي طالب: نم على فراشي وتسجَّ ببُردي هذا،

«فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ»

وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يتلو أوائل سورة يس إلى قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، ثم انصرف. فأتاهم آتٍ فأخبرهم أنه قد خرج، فوضع كل رجل يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يرون عليًّا على الفراش متسجّيًا ببرده ﷺ فيظنونه هو، حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش. ويذكر ابن إسحاق أن مما نزل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

ويذكر ابن إسحاق أنه ﷺ أخبر عليًّا بخروجه وأمره أن يتخلّف بعده بمكة،

«حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ»

فقد كان ﷺ ليس بمكة أحد عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يُعلم من صدقه وأمانته.

دروس وعِبر
  • مكرهم اجتمع عليه أشراف قريش كلهم، ومكر الله فوق مكرهم: خرج من بينهم سالمًا.
  • حتى في ليلة الخطر لم ينس ﷺ أمانات الذين يعادونه، فأمر عليًّا أن يردّها إلى أهلها.
  • شجاعة علي رضي الله عنه حين بات على الفراش وهو يعلم من ينتظر عند الباب.
🎯 تحدّي اليوم

إن كان عندك شيء لغيرك، كتاب مستعار أو أداة أو دَين صغير، فردّه اليوم إلى صاحبه.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.