سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٨١

الثلاثة الذين خُلِّفوا: توبة كعب بن مالك

📅 بعد الرجوع من تبوك📍 المدينة المنورة

تخلّف كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية عن تبوك من غير شك ولا نفاق، فصدقوا رسول الله ﷺ ولم يعتذروا بالكذب، فنهى الناس عن كلامهم خمسين ليلة، ثم أنزل الله توبتهم.

يروي ابن إسحاق عن الزهري حديث كعب بن مالك في تخلّفه عن غزوة تبوك، قال كعب: لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه، وما اجتمعت لي راحلتان قط حتى اجتمعتا في تلك الغزوة. وكان رسول الله ﷺ قد تجهّز والمسلمون معه، فجعل كعب يغدو ليتجهّز فيرجع ولم يقض شيئًا، ويقول في نفسه: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى به حتى خرج الناس وفاته الغزو، فكان إذا طاف في المدينة يحزنه أنه لا يرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء.

فلما بلغه أن رسول الله ﷺ قد توجّه قافلًا من تبوك، جعل يتذكّر الكذب ويقول: بماذا أخرج من سخطته غدًا؟ ثم قال:

«وَعَرَفْتُ أَنِّي لَا أَنْجُو مِنْهُ إلَّا بِالصِّدْقِ، فَأَجْمَعْتُ أَنْ أَصْدُقَهُ»

وجاء المخلَّفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، يحلفون ويعتذرون، فقبل منهم ﷺ علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. وجاء كعب فاعترف أنه لم يكن له عذر، فقال له ﷺ: قم حتى يقضي الله فيك. ونهى ﷺ عن كلام الثلاثة، فاجتنبهم الناس حتى تنكّرت لكعب نفسه والأرض، وتسوّر حائط ابن عمّه أبي قتادة، وهو أحب الناس إليه، فسلّم عليه فما ردّ عليه السلام. وجاءه كتاب من ملك غسان يدعوه أن يلحق به، فقال: وهذا من البلاء أيضًا، فأحرقه في التنّور. ولما مضت أربعون ليلة أُمروا باعتزال نسائهم.

فلما كملت خمسون ليلة، وصلّى كعب الصبح على ظهر بيت من بيوتهم وقد ضاقت عليه نفسه، سمع صارخًا على جبل سلع ينادي: يا كعب بن مالك، أبشر، فخرّ ساجدًا. ولما دخل المسجد قام إليه طلحة بن عبيد الله فهنّأه، وقال له رسول الله ﷺ:

«أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»

فسأله كعب: أمن عندك أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله. وأراد كعب أن ينخلع من ماله صدقة، فقال ﷺ: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، فأمسك سهمه الذي بخيبر، ثم قال:

«إنَّ اللَّهَ قَدْ نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللَّهِ أَنْ لَا أُحَدِّثَ إلَّا صِدْقًا مَا حَيِيتُ»

وأنزل الله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ إلى قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا﴾ إلى قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾. وبيّن كعب أن معنى «خُلِّفوا» ليس تخلّفهم عن الغزوة، وإنما تأخير أمرهم عمّن حلف واعتذر فقُبل منه.

دروس وعِبر
  • قال كعب: عرفت أني لا أنجو منه إلا بالصدق؛ فالصدق وإن كلّف صاحبه ثمنًا عاجلًا هو طريق النجاة في العاقبة.
  • كان كعب يقول: أنا قادر على ذلك إذا أردت، حتى فاته الخير؛ فالتسويف يضيّع الفرص مع القدرة عليها.
  • أحرق كعب كتاب ملك غسان وهو في أشد محنته؛ فالمؤمن لا يجعل عتاب من يحب سببًا لترك دينه وجماعته.
🎯 تحدّي اليوم

إذا أخطأت اليوم في شيء فاعترف به بصدق ولا تبحث له عن عذر غير حقيقي، وابدأ فورًا بعمل خير كنت تؤجّله.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.
القيم في هذا الفصل: الصدقالصبر والثباتالوفاء

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.