السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٨٠
غزوة تبوك: جيش العسرة
أمر رسول الله ﷺ الناس بالتهيؤ لغزو الروم في زمن عسرة وحرّ شديد، فأنفق الأغنياء وبكى الفقراء الذين لم يجدوا ما يحملهم، وسار ﷺ في ثلاثين ألفًا إلى تبوك، فأقام بها عشرين ليلة وصالحه صاحب أيلة، ثم رجع إلى المدينة.
يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان من عسرة الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم. وكان ﷺ قلّما يخرج في غزوة إلا ورّى بغيرها، إلا غزوة تبوك فإنه بيّنها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو، ليتأهب الناس لذلك أهبته. وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله فيهم: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرًّا لو كانوا يفقهون﴾.
وحضّ ﷺ أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، وقال ابن القيم: كانت ثلاثمئة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها، وألف دينار عينًا. ويذكر ابن هشام عمّن يثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة ألف دينار، فقال رسول الله ﷺ:
«اللَّهمّ ارْضَ عَنْ عُثْمَانَ، فَإِنِّي عَنْهُ رَاض»
وجاء البكّاؤون، وهم سبعة نفر من أهل الحاجة، يستحملون رسول الله ﷺ فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، وفي أسماء بعضهم خلاف ذكره المحقّق في الحاشية. ويذكر ابن القيم أن علبة بن زيد قام من الليل فصلى وبكى، وتصدّق على كل مسلم بكل مظلمة أصابه فيها من مال أو جسد أو عرض، فقال له النبي ﷺ لما أصبح:
«أَبْشِرْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ»
وتخلّف عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين، وتخلّف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، ولحق أبو خيثمة بعد أن رجع إلى أهله في يوم حار فوجد ظلًّا باردًا وطعامًا مهيأً فقال: رسول الله ﷺ في الضحّ والريح والحر، ما هذا بالنصف! ثم خرج حتى أدركه بتبوك. وخلّف ﷺ علي بن أبي طالب على أهله، فأرجف به المنافقون، فلحقه علي فقال له ﷺ:
«أَفَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»
ولما مرّ ﷺ بالحِجر من ديار ثمود نهاهم أن يشربوا من مائها أو يتوضؤوا منه، ونقل ابن القيم من الصحيحين من حديث ابن عمر أنه قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ». ويذكر ابن القيم أنه ﷺ شهدها في ثلاثين ألفًا من الناس والخيل عشرة آلاف فرس، وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وهرقل يومئذ بحمص، وأتاه صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم كتابًا. ثم رجع، ويذكر ابن إسحاق كما نقل ابن القيم أنه ﷺ قدم المدينة من تبوك في رمضان.
- أنفق عثمان في جيش العسرة نفقة عظيمة فدعا له النبي ﷺ؛ فالبذل في وقت الشدة أعظم أجرًا وأصدق دلالة على الإيمان.
- بكى الفقراء لأنهم لم يجدوا ما ينفقون، وتصدّق علبة بعرضه على الناس؛ فالنية الصادقة تبلغ بصاحبها ما لا يبلغه ماله.
- قال أبو خيثمة: رسول الله ﷺ في الحر وأنا في الظل، ما هذا بالنصف؛ فمحاسبة النفس تردّها إلى الصواب قبل فوات الأوان.
- نهى ﷺ عن دخول ديار المعذّبين إلا باكين؛ فالمؤمن يعتبر بمصارع الظالمين ولا يمرّ بها لاهيًا.
اسأل نفسك اليوم: هل أنا مرتاح في ظلّي ومن حولي في حاجة؟ ثم قدّم مساعدة عملية لشخص محتاج تعرفه.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.