السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٧٩
السرايا والبعوث في سنة تسع
بعث رسول الله ﷺ في سنة تسع سرايا إلى بني تميم وخثعم وبني كلاب والحبشة، وبعث عليًّا إلى صنم طيئ فهدمه، فكان من ثمرة ذلك إسلام وفد بني تميم، وإسلام عدي بن حاتم بعد أن أكرم ﷺ أخته.
يذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ بعث في المحرم من سنة تسع عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم في خمسين فارسًا، فأخذ منهم رجالًا ونساء وصبيانًا فساقهم إلى المدينة، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم، فنادوا على باب النبي ﷺ: يا محمد اخرج إلينا، ثم تفاخر خطيبهم وشاعرهم، فأمر ﷺ ثابت بن قيس بن شماس فأجابهم، وأجاب حسان بن ثابت شاعرهم، وذكر ابن القيم أن الله أنزل فيهم: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾، فردّ عليهم ﷺ الأسرى والسبي، ثم أسلموا فأحسن جوائزهم.
وفي صفر بعث قطبة بن عامر في عشرين رجلًا إلى حيّ من خثعم بناحية تبالة، وفي ربيع الأول بعث الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب فدعوهم إلى الإسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم. وفي ربيع الآخر بلغه أن ناسًا من الحبشة تراءاهم أهل جدة، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمئة فهربوا منه، فلما رجع أمّر عبد الله بن حذافة السهمي على من تعجّل، وكانت فيه دعابة، فأوقدوا نارًا فقال: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فلما همّ بعضهم قال: اجلسوا إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال:
«مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ»
ونقل ابن القيم من الصحيحين عن علي بن أبي طالب قصة أمير من الأنصار غضب على أصحابه فأمرهم أن يدخلوا نارًا أوقدوها، فأبوا وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فلما ذكروا ذلك له قال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، وقال:
«لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»
وذكر ابن القيم احتمال أن تكونا واقعتين، أو أن يكون حديث علي هو المحفوظ. وفي هذه السنة بعث ﷺ علي بن أبي طالب في مئة وخمسين رجلًا من الأنصار إلى الفُلس صنم طيئ فهدمه، وكان في السبي أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام. ويروي ابن إسحاق عن عدي أن أخته قالت لرسول الله ﷺ: غاب الوافد وانقطع الوالد، فمُنّ عليّ منّ الله عليك، فمنّ عليها، فأتت أخاها فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، ائته راغبًا أو راهبًا. فأتاه عدي فأخذ بيده إلى داره، وقال له:
«مَا يُفِرُّكَ؟ أَيُفِرُّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إِلَهٍ سِوَى اللَّهِ؟»
فقال عدي: إني حنيف مسلم. وشهد عدي بعد ذلك عند رسول الله ﷺ قومًا فقراء في ثياب من صوف، فحثّ الناس على الصدقة وقال:
«لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»
- قال ﷺ: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف؛ فطاعة المسؤول والكبير محمودة ما لم تكن في معصية.
- أكرم ﷺ أخت عدي بن حاتم فكان ذلك سببًا في إسلام عدي؛ فالإحسان إلى الناس من أبلغ طرق الدعوة.
- قال ﷺ: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فلا يحقرنّ أحد قليل الخير.
تصدّق اليوم بشيء ولو كان قليلًا جدًّا، فإن لم تجد فقل لأحد كلمة طيبة تُفرحه.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.