السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٨٧
وفد نجران والمباهلة
قدم وفد نصارى نجران على رسول الله ﷺ فجادلوه في عيسى عليه السلام، فنزل صدر سورة آل عمران، ودعاهم إلى المباهلة فأبوا وصالحوه، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة.
يذكر ابن إسحاق أن وفد نصارى نجران قدموا على رسول الله ﷺ ستين راكبًا، فيهم من أشرافهم من إليهم يؤول أمرهم: العاقب عبد المسيح أمير القوم وصاحب مشورتهم، والسيد الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم. وعدد الأشراف عند ابن هشام أربعة عشر رجلًا، وفي رواية زاد المعاد أربعة وعشرون. ودخلوا عليه مسجده بعد العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلّون فيه، فقال ﷺ: «دعوهم»، فصلّوا إلى المشرق.
وروى ابن إسحاق أن أبا حارثة عثرت به بغلته في الطريق، فقال أخوه كرز كلمة سوء في النبي ﷺ، فقال له أبو حارثة: إنه للنبي الذي كنا ننتظر، فلما سأله: ما يمنعك منه؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرّفونا وموّلونا وأكرمونا، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمرها أخوه حتى أسلم بعد ذلك. ولما جادل الوفد وأحبار يهود في إبراهيم عليه السلام، وقال قائلهم: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال ﷺ:
«مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ، أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي وَلَا أَمَرَنِي»
ويذكر ابن إسحاق أن الله أنزل فيهم صدر سورة آل عمران، ومنه قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾، وأُمر النبي ﷺ بمباهلتهم إن ردّوا ذلك، فدعاهم إليها، فاستمهلوه وخلوا بالعاقب، فقال لهم:
«لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ»
وأشار عليهم أن يوادعوه وينصرفوا إلى بلادهم إن أبوا إلا دينهم، فأتوه فقالوا: قد رأينا ألّا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فقال ﷺ:
«ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمْ الْقَوِيَّ الْأَمِينَ»
قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة قط حبّي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فلما صلّى النبي ﷺ الظهر جعل ينظر عن يمينه ويساره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فقال: اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. ونقل ابن القيم رواية البيهقي، وقال إن إسنادها صحيح، إلى ابن مسعود، وفيها أن النبي ﷺ قال لما قام أبو عبيدة:
«هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ»
وذكر ابن القيم أن البخاري رواه في صحيحه من حديث حذيفة بنحوه، وأن من فقه هذه القصة جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.
- عرف أبو حارثة الحق ومنعه منه خوفُ ضياع الجاه والمال؛ فحب الدنيا قد يحجب صاحبه عن اتباع ما يعلم أنه حق.
- قال ﷺ: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره؛ فدعوته ﷺ توحيد خالص لا تعظيم لشخصه.
- اختار ﷺ للحكم بينهم القوي الأمين أبا عبيدة؛ فالمسؤوليات تُعطى لأهل الأمانة والكفاءة.
قبل أن تؤدي عملًا كُلّفت به اليوم، اسأل نفسك: هل أؤديه بقوة وأمانة؟ ثم أتقنه كأنك تؤديه لمن يثق بك.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.
🕓 آخر تحديث: 3 نوفمبر 2026