السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٨٦
وفد بني حنيفة ومسيلمة الكذاب
قدم وفد بني حنيفة على رسول الله ﷺ وفيهم مسيلمة، فلما رجعوا إلى اليمامة ادّعى النبوة، فكتب إليه رسول الله ﷺ: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
يذكر ابن إسحاق أن وفد بني حنيفة قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب، ونزلوا في دار امرأة من الأنصار من بني النجار، فأتت به بنو حنيفة رسول الله ﷺ تستره بالثياب، والنبي ﷺ جالس في أصحابه، معه عسيب من سعف النخل، فكلّمه مسيلمة وسأله، فقال له ﷺ:
«لَوْ سَأَلْتنِي هَذَا الْعَسِيبَ مَا أَعْطَيْتُكَهُ»
وروى ابن إسحاق رواية أخرى عن شيخ من بني حنيفة: أن الوفد خلّفوا مسيلمة في رحالهم يحفظها، فأمر له النبي ﷺ بمثل ما أمر لهم، وقال: «أما إنه ليس بشرّكم مكانًا»، يعني حفظه متاع أصحابه. فلما رجعوا إلى اليمامة ارتدّ وادّعى أنه أُشرك في الأمر، واحتجّ بهذه الكلمة، وجعل يسجع سجعات يضاهي بها القرآن، ووضع عنهم الصلاة وأحلّ لهم الخمر والزنى. ثم كتب إلى رسول الله ﷺ يزعم أن له نصف الأمر ولقريش نصفه، فكتب إليه رسول الله ﷺ:
«مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مسيلمة الكذاب، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»
وذكر ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر سنة عشر. ولما جاءه رسولا مسيلمة بكتابه وأقرّا بما يقول، قال لهما ﷺ: لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما. ونقل ابن القيم عن عبد الله بن مسعود في هذه القصة قوله:
«فَمَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ»
ونقل ابن القيم من الصحيحين من حديث ابن عباس أن مسيلمة قدم المدينة وجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، فأقبل إليه النبي ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يده قطعة جريد، فوقف عليه وقال: إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني. وأخبر ﷺ أنه رأى في منامه سوارين من ذهب في يديه، فأُوحي إليه أن انفخهما فطارا، قال:
«فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا، صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ»
وقال ابن القيم إن رواية الصحيحين أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم. ومن فقه القصة عنده: أن الرسول لا يُقتل ولو كان مرتدًّا، وأنه ينبغي للإمام أن يستعين برجل من أهل العلم يجيب عنه أهل الاعتراض والعناد، كما فعل النبي ﷺ مع ثابت بن قيس.
- طلب مسيلمة الأمر والملك فلم يُعطَ ولو عسيبًا؛ فالحق لا يُساوَم عليه بالمناصب والأطماع.
- أكرم ﷺ الرسل ولم يقتلهما مع سوء ما قالا؛ وقال ابن مسعود: مضت السنة بأن الرسل لا تُقتل، فالعهود والأعراف المحترمة تُحفظ حتى مع المخالف.
- ذكر ابن القيم أن الإمام يستعين برجل من أهل العلم يجيب عنه؛ فتوزيع الأدوار والاستعانة بأهل الاختصاص من الحكمة.
إذا عُرض عليك اليوم أن تجامل في أمر تعرف أنه خطأ مقابل منفعة، فاعتذر بلطف وثبات، وتذكّر أن العاقبة للمتقين.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.
🕓 آخر تحديث: 3 نوفمبر 2026