سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › الدعوة في مكة

الفصل ٣١

بيعة العقبة الثانية

📅 في أوسط أيام التشريق من موسم الحج📍 الشِّعب عند العقبة بمنى

اجتمع ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من الأنصار بالنبي ﷺ ليلًا عند العقبة، فبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، واختار منهم اثني عشر نقيبًا.

يذكر ابن إسحاق أن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج المسلمون من الأنصار إلى الموسم مع حجّاج قومهم من المشركين، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق. ويروي كعب بن مالك، وكان ممن شهدها، أنهم كانوا يكتمون أمرهم عمّن معهم من قومهم، فلما مضى ثلث الليل تسلّلوا من رحالهم مستخفين حتى اجتمعوا في الشِّعب عند العقبة، وهم ثلاثة وسبعون رجلًا ومعهم امرأتان: نُسيبة بنت كعب أم عُمارة، وأسماء بنت عمرو أم منيع.

وجاءهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له. فكان أول من تكلم، فقال لهم: إن محمدًا في عزّ من قومه ومنعة في بلده، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه فأنتم وما تحمّلتم، وإلا فدعوه من الآن. فقالوا: تكلّم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتلا ﷺ القرآن، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال:

«أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ»

فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أُزُرنا. وسأل أبو الهيثم بن التيّهان: إن بيننا وبين الرجال حبالًا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم»:

«أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ»

ثم قال ﷺ: أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا، فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وقبل البيعة ذكّرهم العباس بن عبادة بن نضلة بأنهم يبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، وعلى ذهاب الأموال وقتل الأشراف، فقالوا: نأخذه على ذلك، فما لنا إن نحن وفّينا يا رسول الله؟

«قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: اُبْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ»

دروس وعِبر
  • البيعة كانت عهدًا واضحًا: عرفوا ثمنها قبل أن يمدّوا أيديهم، فكان وفاؤهم بعد ذلك عن بصيرة.
  • «أنا منكم وأنتم مني»: الوفاء يكون من الطرفين، والقائد الصادق لا يترك من نصره.
  • لم يُعدهم ﷺ بمال ولا مُلك، وإنما وعدهم الجنة، فكان ذلك كافيًا لقلوبٍ صادقة.
🎯 تحدّي اليوم

اختر وعدًا قطعته لأحدٍ ولم تفِ به بعد، ووفِّ به اليوم أو حدّد له موعدًا قريبًا.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.
القيم في هذا الفصل: الوفاءالشجاعة

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.