سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٤٥

سرية نخلة: عبد الله بن جحش

📅 رجب📍 وادي نخلة

بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش برسالة مختومة إلى نخلة ليرصد أخبار قريش، فلقوا عيرًا لقريش في آخر يوم من رجب فقاتلوها، فأنكر عليهم ﷺ القتال في الشهر الحرام حتى نزل القرآن.

يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، ومعه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، ويذكر ابن القيم أنهم كانوا اثني عشر رجلًا، كل اثنين يعتقبان بعيرًا. وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، وألا يستكره من أصحابه أحدًا. فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه:

«إذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فَتَرَصَّدْ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعَلَّمْ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ»

فقال عبد الله: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه بما أُمر به، وأنه نُهي أن يستكره أحدًا منهم، ثم قال:

«فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ، فَأَمَّا أَنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»

فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد. وفي الطريق أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلّفا في طلبه. ونزل عبد الله ببقية أصحابه نخلة، فمرّت بهم عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان ونوفل ابنا عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان. وكان ذلك في آخر يوم من رجب، فتشاوروا: إن تركوهم تلك الليلة دخلوا الحرم فامتنعوا به، وإن قاتلوهم قاتلوهم في الشهر الحرام. ثم أجمعوا على قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت نوفل، وقدموا بالعير والأسيرين المدينة.

فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال:

«مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ»

فوقّف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ منها شيئًا، فظن القوم أنهم قد هلكوا، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، أي أن صدّهم المسلمين عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وإخراجهم منه، وفتنتهم المسلم عن دينه، أكبر عند الله من القتل. ففرّج الله عن المسلمين، وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وفدى الأسيرين بعد أن قدم سعد وعتبة سالمين. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وقُتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان فلحق بمكة فمات بها كافرًا. ويقول ابن القيم عن هذه السرية:

«وَهُوَ أَوَّلُ خُمُسٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ قَتِيلٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ أَسِيرَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ»

دروس وعِبر
  • قال عبد الله بن جحش: سمعًا وطاعة، ومضى لأمر رسول الله ﷺ دون أن يُكره أحدًا من أصحابه؛ فالقائد الصادق يبدأ بنفسه ويترك لغيره الاختيار.
  • أنكر ﷺ على أصحابه ما فعلوه بغير أمره ولم يأخذ منه شيئًا حتى نزل الحكم؛ فالحق لا يُجامَل فيه حتى الأقربون.
  • بيّن القرآن أن فتنة الناس عن دينهم وصدّهم عن المسجد الحرام أكبر من القتل؛ فالعدل أن يوزن عمل كل فريق بميزان واحد.
🎯 تحدّي اليوم

إذا كُلّفت اليوم بعمل، فأتمّه كما طُلب منك تمامًا دون أن تتجاوزه، فإن رأيت تعديلًا فاستأذن قبل أن تفعله.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.