السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٥٩
غزوة الخندق (الأحزاب)
حزّب نفر من يهود بني النضير قريشًا وغطفان وقبائل العرب على رسول الله ﷺ، فحفر المسلمون الخندق بإشارة سلمان، ونقضت بنو قريظة العهد، وحوصر المسلمون نحو شهر، ثم فرّق الله الأحزاب بنعيم بن مسعود وبالريح والملائكة.
يذكر ابن إسحاق أن غزوة الخندق كانت في شوال سنة خمس، ورجّح ابن القيم ذلك وقال إنه أصح القولين، وذكر أن موسى بن عقبة خالفهم فجعلها سنة أربع، وصحّح ذلك ابن حزم. وكان من حديثها أن نفرًا من يهود، منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن أبي الحقيق، خرجوا إلى قريش بمكة يدعونهم إلى حرب رسول الله ﷺ، فسألتهم قريش:
«أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟ قَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ»
فنشطت قريش لذلك، ثم خرج أولئك النفر إلى غطفان فدعوهم فاجتمعوا معهم. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن. ويذكر ابن القيم أن من وافى الخندق من الكفار كانوا عشرة آلاف، وأن رسول الله ﷺ لما سمع بمسيرهم استشار أصحابه:
«فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ»
«فَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْغِيبًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَجْرِ، وَعَمِلَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ»
وأبطأ رجال من المنافقين وجعلوا يتسللون إلى أهليهم بغير إذن، وكان المؤمن إذا نابته حاجة استأذن ثم رجع إلى عمله، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾. ويذكر ابن إسحاق أحاديث من البركة في حفر الخندق، منها أن كدية اشتدت عليهم فنضح عليها رسول الله ﷺ ماءً فانهالت، وأن حفنة تمر جاءت بها ابنة بشير بن سعد فأكل منها أهل الخندق حتى صدروا عنها. ويذكر ابن القيم أن رسول الله ﷺ خرج في ثلاثة آلاف وجعل جبل سلع خلفه والخندق أمامه، وأن قول ابن إسحاق إنه خرج في سبعمائة غلط.
وانطلق حيي بن أخطب إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة، فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله ﷺ، فاشتد البلاء ونجم النفاق، وأقام المشركون محاصرين نحو شهر لم يكن بينهم قتال لأجل الخندق، إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ اقتحموا مكانًا ضيقًا منه، فبارزه علي بن أبي طالب فقتله الله على يديه. وأراد رسول الله ﷺ أن يصالح رئيسي غطفان على ثلث ثمار المدينة، فاستشار السعدين، فأبيا وقالا: والله لا نعطيهم إلا السيف، فصوّب رأيهما.
ثم جاء نعيم بن مسعود الغطفاني فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، فمرني بما شئت، فقال ﷺ:
«إنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذِّلْ عَنَّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ»
فأوقع نعيم الشك بين قريظة وقريش وغطفان حتى تخاذلوا، وأرسل الله على المشركين ريحًا تقوّض خيامهم وتكفأ قدورهم، وجندًا من الملائكة يلقون في قلوبهم الرعب، فبعث رسول الله ﷺ حذيفة بن اليمان يأتيه بخبرهم فوجدهم قد تهيؤوا للرحيل. فأصبح رسول الله ﷺ وقد ردّ الله عدوه بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وانصرف عن الخندق راجعًا إلى المدينة.
- استشار رسول الله ﷺ أصحابه فأخذ برأي سلمان في حفر الخندق؛ فالمشورة والأخذ بالرأي الصائب ولو كان جديدًا من هدي النبي ﷺ.
- عمل رسول الله ﷺ بيده في الخندق ترغيبًا لأصحابه؛ فالقدوة بالعمل أبلغ من الأمر بالكلام.
- قال ﷺ لنعيم: إنما أنت رجل واحد، فخذّل عنا ما استطعت؛ فالفرد الواحد قد يصنع بإخلاصه وحسن تدبيره ما لا تصنعه الجموع.
في عمل جماعي اليوم، في بيتك أو عملك، شارك بيدك في الجزء الأشق منه بدل أن تكتفي بالتوجيه.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.