السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٦٠
غزوة بني قريظة
بعد أن نقضت بنو قريظة عهدها مع رسول الله ﷺ في أشد ساعات الأحزاب، أمره الله بالمسير إليهم، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكمه، فحكّم فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس حلفائهم.
يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الخندق ووضع المسلمون السلاح أتاه جبريل عند الظهر فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة. ويذكر ابن القيم أن ذلك كان وهو يغتسل في بيت أم سلمة. فأمر رسول الله ﷺ مؤذنًا فأذّن في الناس: من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة. ويروي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما:
«لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ»
وقدّم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب برايته، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ونزل على بئر من آبارهم يقال لها بئر أُنا، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وذكر المحقّق في الحاشية أقوالًا أخرى في مدته. وكان حيي بن أخطب قد دخل معهم حصنهم وفاءً لكعب بن أسد بما عاهده عليه، فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم عرض عليهم كعب بن أسد ثلاث خصال، أولها أن يتابعوه ويصدّقوه، وقال:
«لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ لَلَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ»
فأبوا أن يفارقوا حكم التوراة، وأبوا الخصلتين الأخريين. ثم بعثوا يطلبون أبا لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاء الأوس، يستشيرونه، فلما سألوه: أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح. ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله، فمضى حتى ربط نفسه بسارية المسجد، وحلف ألّا يحلّه إلا رسول الله ﷺ بيده، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال:
«دَعُوهُ حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»
ثم تاب الله عليه، وحلّه رسول الله ﷺ بيده. ونزلت قريظة على حكم رسول الله ﷺ، فسألته الأوس أن يحسن في مواليهم، فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، فجعل ذلك إلى سعد بن معاذ، وكان بالمدينة لجرح أصابه، فجيء به، وجعل قومه يقولون له: أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه قال:
«لَقَدْ آنَ لسعد أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ»
فلما انتهى سعد قال رسول الله ﷺ للصحابة: قوموا إلى سيدكم. فحكم سعد بأن يُقتل الرجال وتُسبى الذرية وتُقسم الأموال، فقال رسول الله ﷺ: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات. ويذكر ابن القيم أن نفرًا منهم أسلموا تلك الليلة قبل النزول، وأن عمرو بن سعد، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد، خرج فلم يُعلم أين ذهب، وأنه لم يُقتل من النساء إلا امرأة واحدة كانت قد قتلت سويد بن الصامت، وأن من استُشهد من المسلمين يوم الخندق ويوم قريظة نحو عشرة.
- لم يعنّف رسول الله ﷺ أحدًا من الفريقين في فهم أمره بصلاة العصر؛ فالاختلاف السائغ في الفهم لا يُفسد الودّ ولا يُسوّغ التعنيف.
- ربط أبو لبابة نفسه بالسارية حين شعر أنه أخطأ في حق الله ورسوله؛ فالمؤمن يسارع إلى التوبة ولا يبرّر خطأه.
- قال سعد بن معاذ: آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم؛ فالحكم بالعدل لا يميل مع القرابة والحلف ولا مع ضغط الناس.
- كان مصير قريظة عاقبة نقض العهد في أشد ساعات الخطر على المدينة؛ فالغدر بالعهود جرم عظيم يعود على صاحبه.
إذا اختلفت اليوم مع أحد في فهم كلام أو أمر، فاعذره في فهمه المحتمل، وتحدث معه بهدوء دون تعنيف.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام، صحيح البخاري. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.