السيرة كاملة › الدعوة في مكة
الفصل ٢٦
الإسراء والمعراج
أُسري به ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى بيت المقدس فصلّى بالأنبياء، ثم عُرج به إلى السماوات، وفُرضت الصلاة خمسين ثم خُففت إلى خمس.
يذكر ابن إسحاق أن الإسراء كان من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى -وهو بيت المقدس- بعد أن فشا الإسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها، وأن ما وقع فيه كان بلاءً وتمحيصًا، وأمرًا من أمر الله في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب.
«ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَسَدِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، رَاكِبًا عَلَى الْبُرَاقِ، صُحْبَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ»
وفي بيت المقدس وجد إبراهيم وموسى وعيسى في نفرٍ من الأنبياء، فأمّهم رسول الله ﷺ وصلّى بهم، ثم أُتي بإناءين: في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، فأخذ إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر، كما في رواية الحسن التي ساقها ابن إسحاق.
«هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ، وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ»
ثم عُرج به من بيت المقدس إلى السماء الدنيا، فرأى فيها آدم، ثم رأى في الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وكلهم يسلّم عليه ويرحّب به ويقرّ بنبوته، ثم رُفع إلى سدرة المنتهى. وفُرضت عليه خمسون صلاة، فلم يزل يرجع يسأل ربه التخفيف بمشورة موسى حتى جعلها خمسًا، كما لخّصه ابن القيم.
«قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، فَلَمَّا بَعُدَ نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي»
ونقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما أن الإسراء كان بروحه ﷺ، وبيّن ابن القيم أنهما لم يقولا إنه كان منامًا، وأن الصحيح عنده أنه أُسري به بجسده.
- جاءت هذه الكرامة بعد عام الحزن ورحلة الطائف، فبعد الشدة يأتي الفرج والتكريم.
- فُرضت الصلاة ليلة المعراج في هذا المقام العظيم، فلها منزلة خاصة بين العبادات.
- سأل ﷺ ربه التخفيف لأمته حتى صارت خمسًا، ثم قال: «أرضى وأسلّم»؛ فالرحمة بالأمة والتسليم لأمر الله يجتمعان.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.