السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٦٤
صلح الحديبية وبيعة الرضوان
خرج رسول الله ﷺ معتمرًا لا يريد حربًا، فصدّته قريش عن البيت، وبايعه أصحابه تحت الشجرة حين بلغه أن عثمان قُتل، ثم صالح سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين وأن يرجع عامه هذا، ونزلت في طريق عودته سورة الفتح.
يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ خرج في ذي القعدة سنة ست معتمرًا لا يريد حربًا، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه ويعلموا أنه إنما خرج زائرًا للبيت معظمًا له، ورجّح ابن القيم أنها كانت في ذي القعدة سنة ست. وأما عددهم فروى ابن إسحاق أنهم كانوا سبعمائة رجل، وأن جابرًا كان يقول: كنا أربع عشرة مائة، ويذكر ابن القيم أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة وقال إن القلب إليه أميل، وعدّ قول من قال سبعمائة غلطًا بيّنًا. فلما بلغه بعسفان أن قريشًا قد خرجت لتصدّه، سلك بهم طريقًا وعرًا غير طريقهم، حتى إذا كان بثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت، فقال ﷺ: ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، ثم قال:
«لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحَمِ إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا»
ونزل الناس بالحديبية على ماء قليل، فأعطى رجلًا سهمًا من كنانته فغرزه في قليب فجاش بالماء. وجاءته رسل قريش، منهم بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، والحُليس سيد الأحابيش الذي رجع معظِّمًا لما رأى من الهدي، ثم عروة بن مسعود الثقفي، فرأى أصحاب رسول الله ﷺ يبتدرون وضوءه ولا يسلمونه لشيء، فرجع إلى قريش فقال:
«وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ»
وبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحرب، فقالوا له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ. واحتبسته قريش، فبلغ المسلمين أنه قُتل، فقال ﷺ: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان جابر يقول إنه بايعهم على ألّا يفرّوا، وضرب رسول الله ﷺ بإحدى يديه على الأخرى بيعةً لعثمان، ثم أتاه أن خبر عثمان باطل. ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو فجرى بينهما الصلح، فشقّ ذلك على عمر، فأتى رسول الله ﷺ فقال: فعلامَ نُعطى الدنية في ديننا؟ فقال ﷺ:
«أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، لَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي»
وكتب علي بن أبي طالب الكتاب: باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وأن من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه ردّه عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يردّوه، وأن يرجع عامه هذا ويدخلها العام القابل فيقيم بها ثلاثًا. فدخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ودخلت بنو بكر في عهد قريش. وبينما هم يكتبون جاء أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد، فأخذه أبوه ليردّه، فجعل يصرخ: يا معشر المسلمين، أأُردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فقال ﷺ:
«يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا»
ثم نحر رسول الله ﷺ هديه وحلق رأسه، فلما رآه الناس تواثبوا ينحرون ويحلقون، ودعا للمحلقين ثلاثًا ثم للمقصرين. ثم انصرف قافلًا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وفيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
- قال ﷺ: لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها؛ فتعظيم الحرمات وتقديم الصلح على القتال من هدي النبي ﷺ.
- قال ﷺ لعمر: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني؛ فالتسليم لأمر الله يورث الطمأنينة ولو خفيت الحكمة.
- قال ﷺ لأبي جندل: إنا لا نغدر بهم؛ فالوفاء بالعهد واجب حتى في أشد المواقف على النفس.
- سمّى الله هذا الصلح فتحًا مبينًا؛ فقد يكون في الصبر على ما تكرهه النفس خير كثير.
إذا عاهدت أحدًا أو وعدته بشيء اليوم فأوفِ به كاملًا، ولو شقّ عليك.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.