سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٧٢

غزوة مؤتة

📅 جمادى الأولى سنة ثمان📍 مؤتة، من أرض البلقاء بالشام

بعث رسول الله ﷺ جيشًا من ثلاثة آلاف إلى مؤتة، وأمّر زيد بن حارثة ثم جعفرًا ثم عبد الله بن رواحة، فلقوا جموع الروم ومن معهم، فاستُشهد الأمراء الثلاثة، ثم اصطلح الناس على خالد بن الوليد فانحاز بالمسلمين ورجع بهم.

يذكر ابن القيم أن مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام، وأن سببها أن رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى الشام، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يُقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتدّ ذلك عليه. ويروي ابن إسحاق أنه ﷺ بعث بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة. فتجهّز الناس وهم ثلاثة آلاف.

ومضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم، وانضم إليهم من قبائل العرب مئة ألف، فأقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدوّنا. فشجّع الناسَ عبدُ الله بن رواحة وقال:

«وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدِ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إلَّا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ»

فمضى الناس حتى التقوا عند قرية يقال لها مؤتة، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى قُتل، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قُتل، ويذكر ابن هشام عمّن يثق به من أهل العلم أنه أخذ اللواء بيمينه فقُطعت، فأخذه بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فتقدّم بها حتى قُتل، ثم اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فدافع القوم ثم انحاز بالناس وانصرف بهم. ويذكر ابن القيم أن ابن سعد ذكر أن الهزيمة كانت على المسلمين، وأن الذي في صحيح البخاري أن الهزيمة كانت على الروم، ثم قال:

«وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ كُلَّ فِئَةٍ انْحَازَتْ عَنِ الْأُخْرَى»

ويروي ابن إسحاق عن أسماء بنت عميس أن رسول الله ﷺ دخل عليها لما أصيب جعفر وأصحابه، فدعا ببني جعفر فتشمّمهم وذرفت عيناه، وأخبرها أنهم أصيبوا ذلك اليوم، ثم خرج إلى أهله فقال:

«لَا تُغْفِلُوا آلَ جَعْفَرٍ مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا، فَإِنَّهُمْ قَدْ شُغِلُوا بِأَمْرِ صَاحِبِهِمْ»

ولما دنا الجيش من المدينة تلقّاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، وأخذ عبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله! فيقول رسول الله ﷺ:

«لَيْسُوا بِالْفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمْ الْكُرَّارُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى»

دروس وعِبر
  • قال ابن رواحة: ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة؛ فقوة المؤمن في دينه وثقته بربه قبل العدد والعدة.
  • أوصى النبي ﷺ بصنع الطعام لآل جعفر لأنهم شُغلوا بمصابهم؛ فمواساة أهل المصيبة بالعمل لا بالكلام وحده من هديه ﷺ.
  • قال ﷺ عن الجيش: ليسوا بالفُرّار ولكنهم الكُرّار؛ فحفظ الأرواح والانحياز بحكمة ليس عارًا، ولا يُعيَّر من اجتهد وصبر.
🎯 تحدّي اليوم

إن علمت بأسرة أصابها حزن أو انشغال، فقدّم لها اليوم خدمة عملية بسيطة، كطعام أو قضاء حاجة.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.
القيم في هذا الفصل: الشجاعةالرحمة

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.