السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٧٣
غزوة ذات السلاسل
بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، ثم أمدّه بأبي عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، وأوصاهما ألا يختلفا، فأطاع أبو عبيدة عمرًا حفاظًا على الكلمة.
يذكر ابن القيم أن ذات السلاسل وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وأنها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان. وينقل عن ابن سعد أن رسول الله ﷺ بلغه أن جمعًا من قضاعة تجمّعوا يريدون الدنوّ إلى أطراف المدينة، فبعث عمرو بن العاص في ثلاثمئة من سراة المهاجرين والأنصار. أما ابن إسحاق فيذكر أنه ﷺ بعثه يستنفر العرب إلى الشام، لأن أم العاص بن وائل كانت من بَليّ، فبعثه إليهم يستألفهم، حتى نزل على ماء بأرض جذام يقال له السَّلسَل، وبذلك سُمّيت ذات السلاسل.
فلما كان عليه خاف، فبعث إلى رسول الله ﷺ يستمدّه، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأولين، فيهم أبو بكر وعمر، وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: لا تختلفا. فلما قدم عليه قال له عمرو: إنما جئت مددًا لي، فقال أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه. ويصفه ابن إسحاق بأنه كان رجلًا ليّنًا سهلًا، هيّنًا عليه أمر الدنيا، فلما أصرّ عمرو قال له أبو عبيدة إن رسول الله ﷺ قال له: لا تختلفا، ثم قال:
«وَإِنَّكَ إنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُكَ»
فصلّى عمرو بالناس. ويروي ابن إسحاق عن رافع بن أبي رافع الطائي أنه كان نصرانيًا في الجاهلية، فلما أسلم خرج في هذه الغزوة، فاختار لنفسه صاحبًا هو أبو بكر، فلما دنوا من المدينة قافلين سأله أن ينصحه ويعلّمه، فقال له أبو بكر:
«آمُرُكَ أَنْ تُوَحِّدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَأَنْ تُؤْتِيَ الزَّكَاةَ»
وذكر له صوم رمضان والحج والغسل من الجنابة، ونهاه أن يتأمّر على رجل من المسلمين. ويذكر ابن القيم أن عمرو بن العاص احتلم في هذه الغزوة في ليلة باردة، فخاف على نفسه من الماء فتيمّم وصلّى بأصحابه الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فسأله، فأخبره بالذي منعه من الاغتسال، وقال:
«إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾»
فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا. ويذكر ابن القيم أن الرواية اختلفت في ذلك، فرُوي فيها أنه غسل مغابنه وتوضأ ثم صلى بهم ولم يُذكر التيمم. وينقل عن ابن سعد أن عمرًا سار حتى وطئ بلاد قضاعة، ولقي في آخر ذلك جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا وتفرّقوا، ثم بعث عوف بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله ﷺ يخبره بقفولهم وسلامتهم.
- أوصى النبي ﷺ أميريه ألا يختلفا، فقدّم أبو عبيدة اجتماع الكلمة على حظّ نفسه؛ فالتنازل لأجل وحدة الصف من كمال العقل والدين.
- سأل رافع أبا بكر أن ينصحه فبدأه بالتوحيد ثم أركان الإسلام؛ فطلب النصيحة من أهل الخير، والبدء بالأصول في التعليم، منهج نافع.
- أخبر عمرو النبيَّ ﷺ بعذره في ترك الاغتسال خوفًا على نفسه فضحك ولم يقل شيئًا؛ فالدين يسر ورحمة، وفيه رفع للحرج.
إذا اختلفت اليوم مع أحد في أمر لا إثم فيه، فاختر أن تتنازل له حفاظًا على الود والاجتماع.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.