سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٧٦

غزوة حنين: يوم أعجبتهم كثرتهم

📅 سنة ثمان، بعد فتح مكة📍 حُنين

جمع مالك بن عوف هوازن وثقيفًا لحرب رسول الله ﷺ بعد الفتح، فخرج إليهم ﷺ في اثني عشر ألفًا، فكمنوا لهم في وادي حنين فانهزم الناس أول الأمر، وثبت ﷺ ونادى أصحابه، فرجعوا وكان النصر.

يذكر ابن إسحاق أن هوازن لما سمعت بما فتح الله على رسوله ﷺ من مكة جمعها مالك بن عوف النصري، واجتمعت إليه ثقيف كلها ونصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وساق مالك مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ليقاتل كل رجل عن أهله وماله، فنزلوا بأوطاس. وكان فيهم دريد بن الصمة شيخًا مجرّبًا، فأنكر عليه ذلك وقال: وهل يردّ المنهزمَ شيء؟ فلم يطعه مالك.

وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليدخل فيهم ويأتيه بخبرهم، واستعار من صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك مئة درع بما يكفيها من السلاح، فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك. ثم خرج ﷺ ومعه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه، فكانوا اثني عشر ألفًا. وفي الطريق رأى بعض حديثي العهد بالجاهلية سدرة عظيمة فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ:

«اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى»

ويروي ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله أنهم لما استقبلوا وادي حنين انحدروا فيه في ظلمة الصبح، وكان القوم قد سبقوهم إليه فكمنوا في شعابه ومضايقه، فما راعهم إلا الكتائب قد شدّوا عليهم شدّة رجل واحد، فانهزم الناس لا يلوي أحد على أحد. وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال:

«أَيْنَ أَيُّهَا النَّاسُ؟ هَلُمُّوا إلَيَّ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»

وثبت معه نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، منهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس. ويذكر ابن القيم أنه ﷺ كان يقول يومئذ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ». ويروي ابن إسحاق عن العباس، وكان رجلًا شديد الصوت، أن رسول الله ﷺ قال له:

«يَا عَبَّاسُ، اُصْرُخْ، يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السَّمُرَةِ، قَالَ: فَأَجَابُوا: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ»

فكان الرجل لا يقدر على أن يثني بعيره، فيأخذ درعه وسيفه ويقتحم عن بعيره ويؤمّ الصوت، حتى اجتمع إليه ﷺ منهم مئة فاستقبلوا الناس واقتتلوا، فقال ﷺ حين نظر إلى القتال: الآن حمي الوطيس. فما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله ﷺ. ويذكر ابن القيم أن المشركين لما انهزموا أتى بعضهم الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، فبعث ﷺ في أثرهم أبا عامر الأشعري فقُتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري ففتح الله عليه، وأمر ﷺ بالسبي والغنائم أن تُجمع فوُجّهت إلى الجعرانة.

ويذكر ابن إسحاق أن بعض أهل مكة حدّثه أن رسول الله ﷺ قال حين رأى كثرة من معه: لن نُغلب اليوم من قلة، قال: وزعم بعض الناس أن رجلًا من بني بكر قالها. ويذكر ابن القيم من حكمة هذه الغزوة أن الله أذاق المسلمين أولًا مرارة الهزيمة مع كثرة عددهم ليبيّن لمن قال: لن نُغلب اليوم عن قلة، أن النصر إنما هو من عنده، فلما انكسرت قلوبهم أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.

دروس وعِبر
  • انهزم المسلمون أول الأمر مع كثرتهم؛ فالنصر من عند الله لا من كثرة العدد، ويذكر ابن القيم أن النصر يفيض على أهل الانكسار لله.
  • ثبت ﷺ حين انكشف الناس ونادى: هلمّوا إليّ؛ فالقائد الصادق يثبت في الشدّة ويجمع الناس حوله.
  • أنكر ﷺ طلب «ذات أنواط» وقال: كما قال قوم موسى لموسى؛ فحماية التوحيد من كل صور الشرك أصل لا يُتهاون فيه.
  • يذكر ابن القيم أن من تمام التوكل الأخذ بالأسباب، فقد بعث ﷺ العيون واستعار السلاح وهو متوكل على ربه.
🎯 تحدّي اليوم

إذا أعجبك اليوم شيء أنجزته أو تملكه، فقل: «ما شاء الله، لا قوة إلا بالله»، وتذكّر أن التوفيق من الله وحده.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.