السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٧٧
حصار الطائف وقسمة غنائم حنين
سار رسول الله ﷺ إلى ثقيف بالطائف فحاصرهم ولم يُفتح له، فرحل داعيًا لهم بالهداية، ثم قسم غنائم حنين بالجعرانة فأعطى المؤلفة قلوبهم، وطيّب نفوس الأنصار، وردّ على هوازن سبيهم لما جاؤوا مسلمين.
يذكر ابن إسحاق أن فلول ثقيف لما قدموا الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتهم وصنعوا الصنائع للقتال، ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف حين فرغ من حنين، فسلك على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى بها مسجدًا فصلى فيه، ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة، فسأل عن اسمها:
«فَقِيلَ لَهُ الضَّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى»
ونزل ﷺ قريبًا من الطائف فأصاب النبلُ ناسًا من أصحابه، فوضع عسكره عند موضع مسجده بالطائف اليوم، وحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة كما يقول ابن إسحاق، وقال ابن هشام: ويقال سبع عشرة ليلة، ونقل ابن القيم عن ابن سعد أنه حاصرهم ثمانية عشر يومًا، ففي مدة الحصار خلاف. ويذكر ابن القيم أنه نصب عليهم المنجنيق، ونادى مناديه: أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج منهم بضعة عشر رجلًا منهم أبو بكرة فأعتقهم.
ولم يُؤذن لرسول الله ﷺ في فتح الطائف، فأمر عمر فأذّن في الناس بالرحيل، فضجّ الناس وقالوا: نرحل ولم يُفتح علينا الطائف؟ فقال: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم جراحات، فقال: إنا قافلون غدًا إن شاء الله، فسُرّوا بذلك. ولما ارتحلوا قيل: يا رسول الله ادعُ الله على ثقيف، فقال:
«اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ»
وكانت غنائم حنين قد جُمعت ووُجّهت إلى الجعرانة، ويذكر ابن القيم أن السبي كان ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وأنه ﷺ استأنى بهوازن بضع عشرة ليلة أن يقدموا عليه مسلمين، ثم بدأ بالأموال فقسمها وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس. فوجد الحيّ من الأنصار في أنفسهم إذ لم يكن لهم منها شيء، فجمعهم ﷺ وذكّرهم بنعمة الله عليهم به، ثم قال:
«أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ»
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمًا وحظًّا. وقدمت عليه الشيماء أخته من الرضاعة فعرفها، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيّرها، فاختارت أن يمتّعها ويردّها إلى قومها ففعل. ثم قدم وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يمنّ عليهم بالسبي والأموال، فخيّرهم بين الأبناء والنساء وبين الأموال، فاختاروا الأبناء والنساء، فقال ﷺ:
«أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ، وَسَأَسْأَلُ لَكُمُ النَّاسَ»
فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ، ورُدّ على هوازن نساؤهم وأبناؤهم، وكسا رسول الله ﷺ السبي قبطية قبطية. ويذكر ابن القيم أنه ﷺ خرج من الطائف إلى الجعرانة، ثم دخل منها محرمًا بعمرة فقضى عمرته، ثم رجع إلى المدينة.
- رماه أهل الطائف بالنبل ولم يُفتح له، فدعا: اللهم اهدِ ثقيفًا وائت بهم؛ فالداعية يرجو لمن خالفه الهداية لا الهلاك.
- طيّب ﷺ قلوب الأنصار بالحوار والتذكير بالنعمة حتى رضوا؛ فمعالجة ما في النفوس بالمصارحة والرفق تحفظ الأخوّة.
- ردّ ﷺ ما كان له ولبني عبد المطلب على هوازن، فتبعه المهاجرون والأنصار؛ فالقدوة بالفعل أبلغ من الأمر بالقول.
- بسط ﷺ رداءه لأخته من الرضاعة وأكرمها؛ فالوفاء لأهل الفضل القديم من كريم الأخلاق.
إن شعر أحد من أهلك أو أصحابك بأنه لم يُنصف، فاجلس معه اليوم واسمع منه بهدوء، وذكّره بمكانته عندك.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.