سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٧٥

فتح مكة: الفتح الأعظم

📅 رمضان سنة ثمان📍 مكة المكرمة

لما نقضت قريش عهد الحديبية بإعانة بني بكر على خزاعة، سار رسول الله ﷺ في عشرة آلاف إلى مكة، فأسلم أبو سفيان، ودخل ﷺ مكة فطهّر البيت من الأصنام، وعفا عن قريش وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

يذكر ابن إسحاق أن صلح الحديبية كان فيه أن من أحبّ أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ. فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر، فبيّتوا خزاعة على ماء لهم يقال له الوتير، وأعانتهم قريش بالسلاح، وقاتل معهم منها من قاتل بالليل مستخفيًا. ويذكر ابن القيم أن عمرو بن سالم الخزاعي قدم على رسول الله ﷺ المدينة يستنصره، فقال له ﷺ: نُصرت يا عمرو بن سالم.

وجاء أبو سفيان المدينة يريد أن يشدّ العقد ويزيد في المدة، فكلّم رسول الله ﷺ فلم يردّ عليه شيئًا، ثم رجع إلى قريش لم يصنع شيئًا. وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بمسيره، فأتى الخبرُ رسولَ الله ﷺ، فبعث من أدرك المرأة التي تحمل الكتاب. ويذكر ابن القيم أنه ﷺ خرج سنة ثمان لعشر مضين من رمضان، ومضى وهو صائم حتى إذا كان بالكديد أفطر وأفطر الناس معه، ثم نزل مرّ الظهران ومعه عشرة آلاف.

ويذكر ابن إسحاق أن العباس لقي أبا سفيان ليلًا فأتى به رسول الله ﷺ فأجاره، فلما أصبح أسلم أبو سفيان وشهد شهادة الحق، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا، قال:

«مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»

وأمر ﷺ العباس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الوادي حتى تمرّ به جنود الله فيراها. ويذكر ابن القيم أن سعد بن عبادة لما مرّ براية الأنصار بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلّ الحرمة، فلما ذكر أبو سفيان ذلك لرسول الله ﷺ قال:

«بَلِ الْيَوْمَ يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ، الْيَوْمَ يَوْمٌ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا»

ثم دخل ﷺ مكة من أعلاها، وأمر خالد بن الوليد أن يدخلها من أسفلها، ولم يكن بها قتال إلا مناوشة يسيرة عند الخندمة. ويذكر ابن القيم أنه ﷺ دخل المسجد فاستلم الحجر الأسود وطاف بالبيت وحوله ثلاثمئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بقوس في يده ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾، ودخل الكعبة فأمر بالصور فمُحيت. ثم قام على باب الكعبة وقريش في المسجد ينتظرون ما يصنع، فذكّرهم أن الله أذهب عنهم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، وأن الناس من آدم وآدم من تراب، ثم قال:

«يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تُرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطُّلَقَاءُ»

ثم جلس ﷺ في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده، فسأله أن يجمع لهم الحجابة مع السقاية، فقال ﷺ: أين عثمان بن طلحة؟ فدُعي له، فقال: «هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ»، كما يرويه ابن إسحاق في السيرة.

دروس وعِبر
  • قريش نقضت العهد بإعانة بني بكر، فنصر النبي ﷺ حلفاءه خزاعة؛ فالوفاء بالعهد ونصرة المظلوم من أخلاق المسلم.
  • قدر ﷺ على من آذوه وأخرجوه فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء؛ فالعفو عند المقدرة أعلى مراتب الكرم.
  • ردّ ﷺ مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وقال: اليوم يوم بر ووفاء؛ فأداء الأمانة إلى أهلها واجب حتى في يوم النصر.
  • قال ﷺ: الناس من آدم وآدم من تراب؛ فلا تفاخر بالأنساب، وإنما الكرامة بالتقوى.
🎯 تحدّي اليوم

تذكّر شخصًا أساء إليك قديمًا، واعفُ عنه في قلبك اليوم، وادعُ له بالخير.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.
القيم في هذا الفصل: العفو والحلمالرحمةالأمانة

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.