السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٥٦
غزوة ذات الرقاع
غزا رسول الله ﷺ نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، فلقي جمعًا منهم ولم يكن بينهم قتال، وصلى بأصحابه صلاة الخوف، وفي هذه الغزوة كانت قصة الرجل الذي أخذ سيفه ﷺ، وقصة جمل جابر، وصلاة عباد بن بشر وهو يُرمى بالسهام.
يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ أقام بالمدينة بعد بني النضير شهر ربيع الآخر وبعض جمادى، ثم غزا نجدًا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري، ويقال: عثمان بن عفان، حتى نزل نخلًا، فلقي بها جمعًا عظيمًا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف. ويذكر ابن هشام في سبب التسمية أنهم رقّعوا فيها راياتهم، ويقال: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع.
ويروي ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله أن رجلًا من بني محارب يقال له غورث قال لقومه: ألا أقتل لكم محمدًا؟ فأقبل إلى رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه في حجره، فاستأذنه أن ينظر إليه، فأخذه فاستلّه ثم جعل يهزّه ويهمّ فيكبته الله، ثم قال:
«يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَخَافَنِي؟ قَالَ: لَا، وَمَا أَخَافُ مِنْكَ؟»
فقال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني الله منك. ثم ردّ السيف إلى رسول الله ﷺ. وفي طريق العودة أدرك رسول الله ﷺ جابرًا وقد أبطأ به جمله الضعيف، فنخسه بعصًا فانطلق، ثم ساومه فيه حتى اشتراه بأوقية، وسأله عن زواجه، فأخبره جابر أن أباه أصيب يوم أحد وترك سبع بنات فتزوج امرأة تجمعهن وتقوم عليهن، فقال: أصبت إن شاء الله. فلما قدموا المدينة ردّ إليه الجمل وأعطاه الثمن وزاده شيئًا يسيرًا.
ونزل الجيش في شِعب، فانتدب لحراسته عمار بن ياسر وعباد بن بشر فيما قال ابن هشام، فنام المهاجري وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من المشركين كان قد حلف أن يهريق في أصحاب محمد دمًا، فرماه بسهم فنزعه وثبت قائمًا، ثم بثانٍ ثم بثالث، ثم ركع وسجد وأيقظ صاحبه، فلما رأى المهاجري ما به من الدماء قال: أفلا أيقظتني أول ما رماك؟ فقال:
«كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِدَهَا»
ويذكر ابن القيم في زاد المعاد أن أهل السير جعلوها في السنة الرابعة، ثم استشكل ذلك؛ لأن صلاة الخوف لم تُشرع إلا بعد الخندق، ولأن أبا موسى الأشعري وأبا هريرة شهداها، فرجّح أنها كانت بعد خيبر، وقال:
«فَالصَّوَابُ تَحْوِيلُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى مَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ بَلْ بَعْدَ خَيْبَرَ»
- قال ﷺ لمن رفع عليه السيف: يمنعني الله منك؛ فمن تعلّق قلبه بالله لم يملكه الخوف من الناس.
- رفق رسول الله ﷺ بجابر حين تأخر به جمله، وأعطاه الثمن وردّ عليه الجمل؛ فالقائد يتفقد الضعيف ويُدخل السرور على أصحابه.
- حرس عباد بن بشر الثغر وهو يصلي، ولم يقطع صلاته حتى خشي أن يضيّع ما أُمر بحفظه؛ فالأمانة والعبادة يجتمعان عند المؤمن.
إذا شعرت اليوم بالخوف أو القلق من أمر، فقل بقلب حاضر: «حسبي الله»، ثم خذ بالسبب المتاح لك.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.