السيرة كاملة › في المدينة
الفصل ٥٣
يوم الرجيع
طلب رهط من عضل والقارة من يعلّمهم الإسلام، فبعث معهم رسول الله ﷺ نفرًا من أصحابه، فغدروا بهم عند ماء الرجيع، فقُتل بعضهم، وبيع خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة لقريش فقُتلا بمكة.
يروي ابن إسحاق أنه قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن، فبعث معهم ستة نفر، منهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي وأمّره عليهم، وعاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة. وذكر المحقّق في الحاشية قولًا بأنهم كانوا عشرة.
فلما كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز، غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فأحاطوا بهم وقالوا: لكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم. فأبى مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت أن يقبلوا من مشرك عهدًا، فقاتلوا حتى قُتلوا. وأما خبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق فأعطوا بأيديهم فأُسروا، ثم انتزع عبد الله بن طارق يده من القيد في الطريق فقتلوه، وقُدم بخبيب وزيد إلى مكة فبيعا لقريش.
فابتاع صفوان بن أمية زيدًا ليقتله بأبيه، وأخرجوه إلى التنعيم، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فقال زيد:
«وَاَللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَة تؤذيه»
«مَا رَأَيْتُ مِنْ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا»
وأما خبيب فكان محبوسًا في بيت ماوية مولاة حجير بن أبي إهاب، فطلب منها حديدة يتطهّر بها للقتل، فأرسلتها مع غلام من الحي، ثم خافت أن يصيب الغلام بسوء، فلما ناوله الحديدة أخذها ثم قال: «لَعَمْرَكَ، مَا خَافَتْ أُمُّكَ غَدْرِي حِينَ بَعَثَتْكَ بِهَذِهِ الْحَدِيدَةِ إلَيَّ!» ثم خلّى سبيله. فلما خرجوا به إلى التنعيم ليصلبوه، طلب أن يركع ركعتين، فركعهما فأتمّهما وأحسنهما، ثم قال:
«أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إنَّمَا طَوَّلْتُ جَزَعًا مِنْ الْقَتْلِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الصَّلَاةِ»
قال ابن إسحاق: فكان خبيب بن عدي أول من سنّ هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين، ثم قتلوه رحمه الله.
- لم يغدر خبيب بالغلام وهو أسير ينتظر القتل؛ فالمسلم يحفظ الأمانة والعهد ولو غدر به غيره.
- شهد أبو سفيان قبل إسلامه أنه ما رأى حبًّا كحب أصحاب محمد ﷺ له؛ فمحبة رسول الله ﷺ تُعرف بالمواقف لا بالكلام.
- طلب خبيب أن يصلي ركعتين في آخر لحظاته؛ فالصلاة صلة العبد بربه في الشدة قبل الرخاء.
إذا ائتمنك أحد اليوم على شيء، ولو كان صغيرًا، فأدِّه إليه كاملًا، ولو كان بينك وبينه خلاف.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.