سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٥١

غزوة أحد

📅 يوم السبت في سابع شوال سنة ثلاث📍 جبل أُحد

جاءت قريش في نحو ثلاثة آلاف تطلب ثأر بدر، فخرج إليها رسول الله ﷺ بعد مشورة أصحابه، وكانت الغلبة للمسلمين أول النهار، ثم ترك أكثر الرماة مكانهم، فكرّ المشركون، واستُشهد سبعون من الصحابة، وأُصيب رسول الله ﷺ في وجهه.

يذكر ابن القيم أن قريشًا لما أُصيب أشرافها ببدر، أخذ أبو سفيان يؤلّب عليهم ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلا يفرّوا، حتى نزلوا قريبًا من جبل أحد. واستشار رسول الله ﷺ أصحابه: أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألّا يخرجوا، فألحّ عليه جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته بدر، فدخل بيته ولبس لأمته، فلما خرج قالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال:

«مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»

فخرج في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عبد الله بن أُبيّ بنحو ثلث العسكر. وفي الطريق سلك حائطًا لرجل منافق ضرير البصر، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله ﷺ: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصَرِ». ونزل الشِّعب من أحد وجعل ظهره إلى الجبل، وهو في سبعمائة، وأمّر على الرماة، وكانوا خمسين، عبد الله بن جبير، وأمرهم أن يلزموا مركزهم ولا يفارقوه.

ويذكر ابن القيم أن الدولة كانت أول النهار للمسلمين، فانهزم المشركون حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم وقالوا: الغنيمةَ، فذكّرهم أميرهم عهد رسول الله ﷺ فلم يسمعوا، فكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا، فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله منهم سبعين بالشهادة، وخلص المشركون إلى رسول الله ﷺ فجرحوا وجهه وكسروا رباعيته. وقُتل مصعب بن عمير بين يديه، وصرخ الشيطان: إن محمدًا قد قُتل. ويذكر ابن إسحاق أن حمزة بن عبد المطلب قاتل يومئذ حتى رماه وحشي غلام جبير بن مطعم بحربته فقتله. ومرّ أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال: قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم لقي سعد بن معاذ فقال:

«يَا سعد إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ مِنْ دُونِ أُحُدٍ»

فقاتل حتى قُتل. وكان أول من عرف رسول الله ﷺ تحت المغفر كعب بن مالك، فاجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه إلى الشِّعب. ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ فلم يجيبوه، ثم قال: اعلُ هُبل، فأمرهم النبي ﷺ أن يجيبوه: الله أعلى وأجل، ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ﷺ: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال:

«قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ»

ومن مواقف ذلك اليوم ما يرويه ابن إسحاق عن أبي دجانة، وكان رسول الله ﷺ قد دفع إليه سيفه، أنه رأى إنسانًا يشتدّ على الناس، فقصد إليه، فلما رفع عليه السيف ولول، فإذا امرأة، قال:

«فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً»

دروس وعِبر
  • نزل رسول الله ﷺ على رأي أصحابه في الخروج ثم مضى فيه ولم يتردد؛ فالشورى قبل العزم، فإذا عزمت فتوكل على الله.
  • ترك الرماة مكانهم طلبًا للغنيمة فانقلب النصر شدة؛ فمخالفة الأمر الواضح قد تُضيع على الجماعة كلها ما كسبته.
  • ثبت أنس بن النضر حين ألقى غيره بأيديهم؛ فالثبات على الحق لا يتعلق بالأشخاص، بل بما ماتوا عليه.
  • ويبيّن ابن القيم أن ترك جواب أبي سفيان أولًا كان أحسن، وجوابه حين افتخر بآلهته كان أحسن؛ فللكلام وقت وللسكوت وقت.
🎯 تحدّي اليوم

إذا اتفقت اليوم مع أهلك أو زملائك على أمر بعد مشورة، فالتزم بنصيبك منه حتى آخره، ولو رأيت غيرك يتركه.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.
القيم في هذا الفصل: الصبر والثباتالشجاعةالحكمة

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.