سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٦١

غزوة بني المصطلق وحديث الإفك

📅 شعبان سنة ست عند ابن إسحاق، وشعبان سنة خمس عند ابن القيم📍 ماء المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، ثم المدينة

خرج رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق حين بلغه أنهم يجمعون له، فنصره الله عليهم وتزوج جويرية بنت الحارث فأُعتق بسببها مائة أهل بيت، وفي طريق العودة أثار المنافقون فتنة ابن أُبيّ ثم حديث الإفك، حتى أنزل الله براءة عائشة رضي الله عنها.

يذكر ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست، حين بلغه أنهم يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، فلقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع، فهزمهم الله. ويذكر ابن القيم أنها كانت في شعبان سنة خمس، وأن ما ذكره بعضهم من قتال وهمٌ، وإنما أغار عليهم على الماء وهم غارّون، وذكر المحقّق في الحاشية خلافًا في وقتها. وعلى الماء ازدحم أجير لعمر بن الخطاب ورجل حليف للأنصار فاقتتلا، فغضب عبد الله بن أُبيّ وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فنقل ذلك زيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ، فقال عمر: مُر به عبّاد بن بشر فليقتله، فقال ﷺ:

«فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»

ثم أذّن بالرحيل في ساعة لم يكن يرتحل فيها، وسار بالناس يومهم وليلتهم وصدر الغد حتى وقعوا نيامًا، ليشغلهم عن حديث الأمس. ونزلت سورة المنافقين، فأخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد بن أرقم وقال: هذا الذي أوفى الله بأذنه. وجاءه عبد الله ابنُ عبد الله بن أُبيّ يعرض أن يتولى قتل أبيه إن كان لا بد فاعلًا، فقال ﷺ: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. وكانت جويرية بنت الحارث في السبي، فجاءت تستعين رسول الله ﷺ في كتابتها، فقضى عنها وتزوجها، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت عائشة رضي الله عنها:

«فَلَقَدْ أُعْتِقَ بتزويجه إِيَّاهَا مائَة أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ عَلَى قَوْمِهَا بَرَكَةً مِنْهَا»

وفي العودة قريبًا من المدينة خرجت عائشة رضي الله عنها لبعض حاجتها، فانسلّ عقدها، فرجعت تلتمسه، فحمل القوم هودجها وهم يظنونها فيه، فرجعت فلم تجد أحدًا، فتلففت بجلبابها وانتظرت، حتى مرّ بها صفوان بن المعطّل وكان قد تخلّف عن الجيش، فاسترجع، وقرّب البعير فركبت، وأخذ برأسه حتى أدرك الناس. فقال أهل الإفك ما قالوا، وكان الذي تولّى كِبره عبد الله بن أُبيّ. ومرضت عائشة بعد قدومها نحو بضع وعشرين ليلة لا تعلم شيئًا، ثم بلغها الخبر فما زالت تبكي. وخطب رسول الله ﷺ الناس فقال: ما بال رجال يؤذونني في أهلي، والله ما علمت منهم إلا خيرًا، واستشار عليًّا وأسامة، وسأل بريرة فقالت: والله ما أعلم إلا خيرًا. ويذكر ابن القيم أن الوحي حُبس عنه شهرًا في شأنها لحكمة أرادها الله.

ثم دخل عليها رسول الله ﷺ وعندها أبواها، فقالت: أقول كما قال أبو يوسف: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، فما برح مجلسه حتى نزل عليه الوحي، فلما سُرّي عنه قال:

«أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنَزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكَ»

وأقيم الحدّ على من أفصح بالقذف. وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق على مسطح لقرابته وحاجته، وكان مسطح ممن تكلم، فحلف ألّا ينفعه بشيء أبدًا، فأنزل الله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فقال أبو بكر:

«بَلَى وَاَللَّهِ، إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي»

فأرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفقها عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.

دروس وعِبر
  • ردّ رسول الله ﷺ اقتراح قتل ابن أُبيّ مراعاةً لما يتحدث به الناس؛ فالحكيم ينظر في عواقب الأفعال وأثرها على الدعوة.
  • كان زواجه ﷺ من جويرية سببًا لعتق مائة أهل بيت من قومها؛ فالبركة قد تأتي من حيث لا يُتوقع، والإحسان يجرّ إحسانًا.
  • حديث الإفك يعلّم المؤمن ألّا يتلقى الأخبار بلسانه دون تثبت، وأن يظن بإخوانه خيرًا كما قال أبو أيوب لامرأته.
  • رجع أبو بكر بنفقته على مسطح رغم إساءته طلبًا لمغفرة الله؛ فالعفو عمن أساء من أعظم أبواب المغفرة.
🎯 تحدّي اليوم

إذا بلغك اليوم كلام عن أحد، فلا تنقله لغيرك حتى تتثبت منه، وظنّ بصاحبه خيرًا.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.