السيرة كاملة › الوفاة
الفصل ٩١
تمريضه في بيت عائشة ووفاته ﷺ
مُرّض رسول الله ﷺ في بيت عائشة، فأوصى بالأنصار، وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ثم قُبض ﷺ يوم الاثنين وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة، وثبّت أبو بكر الناس بكلمته المشهورة.
تروي عائشة رضي الله عنها، فيما ذكره ابن إسحاق، أن رسول الله ﷺ خرج يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس، والآخر علي بن أبي طالب كما قال ابن عباس، عاصبًا رأسه حتى دخل بيتها. ثم اشتدّ به وجعه فقال: هريقوا عليّ سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدوه في مخضب لحفصة وصبّوا عليه الماء حتى قال: حسبكم حسبكم.
ثم خرج ﷺ عاصبًا رأسه حتى جلس على المنبر، فكان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال:
«إنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ»
ففهمها أبو بكر وعرف أنه يريد نفسه، فبكى وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال له: على رسلك يا أبا بكر. وأمر أن تُسدّ الأبواب النافذة إلى المسجد إلا بيت أبي بكر. وفي ذلك المقام أوصى ﷺ بالأنصار فقال:
«يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، اسْتَوْصُوا بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا، فَإِنَّ النَّاسَ يَزِيدُونَ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ عَلَى هَيْئَتِهَا لَا تَزِيدُ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إلَيْهَا، فَأَحْسِنُوا إلَى مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ»
ولما اشتدّ به الوجع قال: مروا أبا بكر فليصلّ بالناس، فراجعته عائشة بأن أبا بكر رجل رقيق كثير البكاء إذا قرأ القرآن، فأعاد الأمر. ويوم الاثنين الذي قُبض فيه خرج ﷺ إلى الناس وهم يصلون الصبح خلف أبي بكر، فتبسّم سرورًا بما رأى من هيئتهم في صلاتهم، وصلّى قاعدًا عن يمين أبي بكر، فظنّ الناس أنه قد برئ من وجعه. ثم رجع إلى بيت عائشة فاضطجع في حجرها، واستاك بسواك ليّنته له، ثم ثقل في حجرها فإذا هو يقول:
«بَلْ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى مِنْ الْجَنَّةِ»
فقالت عائشة: خُيّرتَ فاخترتَ والذي بعثك بالحق، وقُبض رسول الله ﷺ حين اشتدّ الضحاء من ذلك اليوم. وقام عمر يقول إن رسول الله ﷺ لم يمت، فأقبل أبو بكر حتى دخل عليه وهو مسجًّى في ناحية البيت، فكشف عن وجهه فقبّله وقال: بأبي أنت وأمي، ثم خرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:
«أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»
ثم تلا قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، فكأن الناس لم يعلموا أنها نزلت حتى تلاها أبو بكر، وقال عمر: فما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فدهشت حتى وقعت إلى الأرض، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.
- أوصى ﷺ في مرضه الأخير بالأنصار الذين آووه؛ فالوفاء لأهل الفضل يبقى حتى آخر العمر.
- قدّم ﷺ أبا بكر للصلاة بالناس وأكّد ذلك؛ فالأمانة تُسند إلى أهلها الأكفاء.
- ثبّت أبو بكر الناس بأن الله حيّ لا يموت؛ فالتعلق بالله وحده هو ما يحفظ القلب عند أعظم المصائب.
اقرأ اليوم الآية ١٤٤ من سورة آل عمران بتدبّر، ثم أكثر من الصلاة على النبي ﷺ.
جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.🧭 اختبر نفسك
أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.
سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.
رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.
🕓 آخر تحديث: 3 نوفمبر 2026