سيرة رسول الله ﷺ

السيرة كاملة › في المدينة

الفصل ٤٧

غزوة بدر الكبرى

📅 ليلة الجمعة ١٧ رمضان، السنة الثانية📍 بدر

خرج رسول الله ﷺ في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا يريد عير قريش، فنجت العير وخرجت قريش بقضّها وقضيضها، فاستشار أصحابه فثبتوا معه، ونصر الله المؤمنين نصرًا عظيمًا يوم بدر.

سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان بن حرب مقبلًا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموالهم، فندب المسلمين إليها، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. ويذكر ابن القيم أنه خرج مسرعًا في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ليس معهم من الخيل إلا فرسان، ومعهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، وكان رسول الله ﷺ وعلي ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا. وعلم أبو سفيان بمخرجهم، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري يستنفر قريشًا، فخرجوا مسرعين ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهب، بعث مكانه رجلًا.

ولما بلغ رسول الله ﷺ خروج قريش استشار الناس، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم عمر فقال وأحسن، ثم قال المقداد بن عمرو: امض لما أراك الله فنحن معك. ثم قال: أشيروا عليّ أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، لأنهم بايعوه بالعقبة على أن يمنعوه في ديارهم. فقال سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. فقال سعد كلامًا طويلًا ختمه بقوله:

«إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ. لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ»

فسُرّ رسول الله ﷺ بقول سعد، وقال: سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين. ونجا أبو سفيان بالعير على ساحل البحر، وكتب إلى قريش أن ارجعوا، فأبى أبو جهل إلا أن يقدموا بدرًا، ورجع الأخنس بن شريق ببني زهرة. ونزل رسول الله ﷺ أدنى ماء من مياه بدر، فأشار عليه الحباب بن المنذر بالنزول على الماء الكثير وتغوير ما سواه، فسبقوا إليه. وأنزل الله تلك الليلة مطرًا كان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وعلى المسلمين طلًّا ثبّت به الأقدام. ويذكر ابن القيم أنه ﷺ بات يصلي إلى جذع شجرة هناك، وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قام ﷺ ورفع يديه واستنصر ربه، وقال:

«اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ»

فالتزمه أبو بكر من ورائه وقال: أبشر يا رسول الله، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك. وبدأ القتال بالمبارزة، فخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فبرز إليهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، فقتل علي الوليد، وقتل حمزة قرنه، واحتمل علي وحمزة عبيدة وقد قُطعت رجله، فمات بالصفراء. ثم اشتد القتال، وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه العدو، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وجاء النصر، يقول ابن القيم:

«فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ»

ويذكر ابن القيم أن الله أمدّ المؤمنين بالملائكة كما قال: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، وأن المسلمين لم يكونوا قد أعدّوا للقاء عدته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ويذكر عدد شهداء المسلمين:

«وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا»

دروس وعِبر
  • استشار ﷺ أصحابه مرة بعد مرة حتى سمع رأي الأنصار؛ فالشورى تطمئن القلوب وتجمع الصف قبل الأمر العظيم.
  • أخذ ﷺ برأي الحباب بن المنذر في المنزل؛ فالقائد الحكيم يقبل المشورة الصائبة ممن هو أعلم بالمكان.
  • يذكر ابن القيم أن الله أخبر أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة ولا بالعدد، فنصر الفئة القليلة المتوكلة عليه.
🎯 تحدّي اليوم

قبل أن تتخذ اليوم قرارًا يخص غيرك، استشر من يعنيهم الأمر واسمع رأيهم كما استشار رسول الله ﷺ أصحابه يوم بدر.

جرّبه اليوم، وشاركنا على الصفحة كيف كان.

🧭 اختبر نفسك

أجب لتُكمل هذه المحطة في رحلتك في السيرة.

📚 مصادر الفصل

زاد المعاد لابن القيم، سيرة ابن هشام. النصوص بين «» منقولة بلفظها مع رقم الجزء والصفحة ورابطها في المكتبة الشاملة.

رأيت خطأً أو عندك اقتراح لهذه الصفحة؟ اكتب لنا.